نتنياهو يتراجع.. معبر رفح يُفتح رغم الشروط
لم يأتِ قرار إعادة فتح معبر رفح من فراغ، ولم يكن ثمرة تحوّل إنساني مفاجئ في الموقف الإسرائيلي، بل جاء نتاج ضغوط سياسية دولية متراكمة، وحسابات أمنية دقيقة، فرضت على حكومة الاحتلال مراجعة بعض خطوطها الحمراء في واحدة من أكثر القضايا حساسية على طاولة الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.
فالموافقة التي أعلنها مكتب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء الأحد، على إعادة فتح معبر رفح، ولو بشكل جزئي ومشروط، تعكس حجم التعقيدات التي تحيط بالملف، حيث اقتصر القرار على عبور الأفراد فقط، مع الإصرار على تطبيق آلية رقابة إسرائيلية مشددة، في محاولة للجمع بين الاستجابة للضغوط الأمريكية والحفاظ على القبضة الأمنية.
وبحسب ما تداولته الصحف العبرية، فإن الاستعدادات لفتح المعبر تزامنت مع عمليات استخباراتية مكثفة ينفذها جيش الاحتلال داخل قطاع غزة، في إطار البحث عن جثمان المحتجز الإسرائيلي الأخير، في مشهد يكشف كيف باتت الملفات الإنسانية رهينة للحسابات العسكرية والسياسية.
ورغم التأكيد الإسرائيلي على أن استعادة جثمان المحتجز تمثل «التزامًا وطنيًا»، فإن اللافت في بيان مكتب نتنياهو هو الإشارة إلى أن فتح معبر رفح سيتم حتى في حال فشل هذه العملية، وهو ما يعكس وجود التزام سياسي مسبق ضمن تفاهمات دولية، يصعب على حكومة الاحتلال التراجع عنه.
في المقابل، لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في دفع هذا المسار، ضمن خطة النقاط العشرين التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد في قطاع غزة، سياسيًا وأمنيًا، مع الرهان على مرحلة جديدة تُدار عبر حكومة تكنوقراط، وبدعم دولي واسع.
وتعزز هذا الاتجاه بتصريحات مسؤولين فلسطينيين، أكدوا أن فتح المعبر بات وشيكًا، إلى جانب تحركات أمريكية مكثفة، شملت زيارات لمبعوثي البيت الأبيض، في محاولة لضمان تنفيذ التعهدات الإسرائيلية وعدم الاكتفاء بالموافقة الشكلية.
لكن ورغم هذه التطورات، يبقى فتح معبر رفح خطوة محدودة الأثر ما دامت محكومة بشروط الاحتلال، وتفتقر إلى رؤية شاملة تضمن حرية الحركة وتدفق المساعدات، بعيدًا عن منطق السيطرة والابتزاز السياسي.
فالمعبر، الذي يمثل شريان حياة لملايين الفلسطينيين، لا يمكن اختزاله في إجراء مؤقت أو تنازل تكتيكي، بل يظل اختبارًا حقيقيًا لجدية المجتمع الدولي في تحويل التفاهمات السياسية إلى واقع إنساني ملموس، يخفف من معاناة غزة، ويفتح الباب أمام تهدئة حقيقية، لا هدنة هشة سرعان ما تنهار.




